التصريح «ولدي رجل» الذي قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل أبعادًا نفسية واجتماعية وقانونية عميقة وخطيرة ، خصوصًا إذا قيل في سياق تبرير سلوك اجرامي او سلوك معيب أو خاطئ أو قصد التقليل من مسؤولية الابن او الزوج او الشريك. ويمكن تفكيكه من ثلاثة مستويات:
1. البعد النفسي: تحويل «الذكورة» إلى حصانة
عندما تقول الأم «ولدي رجل»، قد لا تكون فقط بصدد وصف عمر ابنها أو جنسه، وإنما قد تعبّر عن اعتقاد راسخ بأن الذكورة تمنح صاحبها مكانة وامتيازًا ومساحة أكبر من التسامح.
في هذه الحالة يصبح الخطأ عند الابن قابلاً للتبرير:
“هو رجل، وهذه طبيعة الرجال.”
بينما السلوك نفسه، إذا صدر عن فتاة، قد يُفسَّر باعتباره انحرافًا أو عيبًا أخلاقيًا يتدرج من الميوعة الى الوصم بالفساد الأخلاقي ..الى المؤاخذة المجتمعية.
وهنا تظهر آلية نفسية خطيرة: الفصل بين الشخص والفعل.
فالابن لا يُرى باعتباره مسؤولًا عن اختياره، بل باعتباره «ولدها» أولًا و«رجلًا» ثانيًا، فتتحول الأم من موقع التربية والمساءلة إلى موقع الحماية والتبرير.
والأكثر خطورة عندما تصبح الأم نفسها مقتنعة بأن قيمتها مرتبطة بإنجاب «رجل»، وكأن نجاحها في الحياة يُختزل في إنتاج وريث أو ابن يُمنح امتيازًا لمجرد كونه ذكرًا.
2-البعد الاجتماعي: ازدواجية المعايير
التصريح يكشف عن قاعدة اجتماعية أوسع:
الرجل يُمنح هامشًا واسعًا للخطأ، بينما المرأة تُطالب بهامش ضيق جدًا.
وهذا ما يمكن وصفه اجتماعيًا بازدواجية المعايير الجندرية.
فالطفل الذكر قد يتعلم منذ الصغر أن بعض الأفعال «عادية لأنه ولد»، بينما تُربّى الفتاة على أن عليها أن تكون أكثر حذرًا لأنها ستُحاسب اجتماعيًا على سلوكها وشرف عائلتها.
والنتيجة أن المجتمع لا يكتفي بوجود اختلاف بيولوجي بين الجنسين، بل يصنع منه تراتبية أخلاقية:
الرجل = فاعل، مبادر، له حق التجربة والخطأ.
المرأة = مسؤولة عن ضبط نفسها وضبط الرجل أيضًا.
خطأ الرجل = نزوة أو «طبيعة».
خطأ المرأة = عيب أخلاقي ووصمة.
وهنا تصبح عبارة «ولدي رجل» ليست مجرد دفاع عن ابن، وإنما إعادة إنتاج لهذه المنظومة داخل الأسرة نفسها.
3- البعد القانوني: المسؤولية لا تتغير بالجنس
من الناحية القانونية، يجب الفصل تمامًا بين الصفة الاجتماعية للشخص وبين مسؤوليته القانونية.
كون الشخص رجلًا لا يمنحه حصانة من المسؤولية، كما أن كون الشخص امرأة لا يجعلها مسؤولة تلقائيًا عن فعل لم ترتكبه.
القاعدة القانونية الحديثة تقوم على شخصية المسؤولية: يُسأل الإنسان عن أفعاله متى توافرت شروط المسؤولية التي يحددها القانون، لا عن جنسه ولا عن مكانته داخل أسرته.
وهنا تكمن خطورة الخطاب الاجتماعي الذي يقول:
«هو رجل، ماذا تريدون منه؟»
لأنه ينقل النقاش من سؤال قانوني صحيح:
ماذا فعل؟ وهل ثبت فعله؟ وما مدى مسؤوليته؟
إلى سؤال اجتماعي منحاز:
كيف يمكن أن نحميه لأنه رجل؟
وبالمقابل، فإن وضع المرأة في موضع الاتهام لمجرد كونها امرأة يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة، ومنها قرينة البراءة، وشخصية المسؤولية، والمساواة أمام القانون.
والأخطر: عندما تتحول الثقافة إلى عامل مهيئ للجريمة
هنا أعتقد أن فكرتك الأساسية قوية جدًا:
الجريمة لا تبدأ دائمًا لحظة ارتكاب الفعل؛ أحيانًا تبدأ قبل ذلك بكثير، في التربية التي تجعل شخصًا يعتقد أن له حقًا في فعل ما لا يحق لغيره فعله.
إذا تربى الصبي على أن «كونه رجلًا» يمنحه امتيازًا على المرأة، فقد تتحول هذه الفكرة إلى شعور بالاستحقاق، ثم إلى سلوك، ثم إلى تبرير اجتماعي للسلوك.
وفي المقابل، إذا تربت المرأة على أن عليها دائمًا أن تتحمل اللوم، فقد تصل إلى مرحلة الدفاع عن الشخص الذي ظلمها أو تبرير سلوكه لأنها تشبعت بالمنظومة نفسها.
وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في العبارة: أن الضحية المحتملة قد تصبح أحيانًا حاملة للثقافة التي تبرر ما قد تتعرض له.
لذلك فالمشكلة ليست في «ولدي رجل» باعتبارها جملة عابرة، وإنما في المعنى الاجتماعي الذي يمكن أن تختزنه: الرجل يُحمى لأنه رجل، والمرأة تُدان لأنها امرأة.
وهذا بالفعل موضوع يتجاوز التربية الأسرية إلى علم النفس الاجتماعي، وعلم الإجرام، وثقافة القانون والعدالة.
وتعكس انفصاما في الشخصية العامة للتركيبة المجتمعية ..التي تعاني من ازدواجية مرضية.
علاج المجتمعات ..يتم عبر تنقية واستئصال الاورام والعاهات على امتداد أجيال..
“ولدي راجل ” عبارة لتبرير السلوك الأجرامي
لا توجد تعليقات
